Get Adobe Flash player

الحصاد

  

 تامﯕرا

الحصاد

موسم الحصاد قصة أجداد، وتاريخ أحياء قروية محملة بالذكريات عن روعة الموسم وسِمة التعاون بين ابناء القرية الواحدة في حصاد القمح عند أحدهم، لتبدأ دورة متماسكة بين البيوت لحين الانتهاء من جمع الغلال ومؤونة الشتاء الذي يتحول بين يدي حاصديهِ ونسائهم الى الخبز الذي هو ضرورة الحياة وغذاء الغني والفقير، لكن مع تغير الحياة وتطورها تغيرت صور كانت في السابق من أجمل صور، التواصل والعطاء والشعور بلذة التعب والانتظار لما ستجنيهِ أيديهم من جهدهم، يتحرك المنجل، بخفة بين اليدين اللتين تجمعان الخير من الأرض الطاهرة لوضعها في البيوت التي تعتبر القمح هو المصدر الرئيس والأساس لغذائها وتصريف باقي أمور الحياة، فيبيعون جزءا منه ويخبئون الجزء الأكبر في أكياس "شوالات الخيش" المُعدة مسبقاً لهذه الغاية لتكون مِؤونة العام المقبل كاملاً. لكن أين هو المنجل الآن؟
والمنجل للذين لا يعرفونه هو الأداة الحادة التي تأخذ شكل القوس لتكون عوناً للمزارع في عملية قطع السنابل من اسفلها. نبحث عنه لنجد أنه لم يعد له مكان بين الآلات الكبيرة المتطورة، وقد نلمحه معلقاً في زوايا أحد البيوت كمنظر تراثي وصورة من صور الماضي فقط، متناسين أن هذا المنجل شارك أباءنا وأجدادنا بناء البيوت وإطعام الأطفال الذين كانوا يقفون بالقرب من الحصادين عند غروب الشمس وانتهاء الحصاد علّهم يحصلون على قليل من القمح مما تمن به نفس أجدادهم ليستبدلوها بقليل من حلوى تلك الأيام.

ومن الأدوات الأخرى الداعمة لعملية الحصاد هي "الشاعوب" كما يسميه القدامى وهي عبارة عن الأداة المستخدمة في فصل حبوب القمح عن باقي أجزاء السنبلة عن طريق نثرها في الهواء لتتدخل الطبيعة ونسماتها في هذا السعي من أجل الرزق.

ورغم العناء الذي يتخلل عملية الحصاد، إلا أنها كما يؤكد كبار السن الذين مارسوها لسنوات طويلة أن "تلك الأيام كانت من أجمل الأيام التي مرت بهم خلال حياتهم المفعمة بالذكريات العتيقة رغم صعوبة العمل خلال النهار الطويل من بزوغ الفجر ولغاية غروب الشمس"التي تذكرهم بأن عليهم العودة الى البيت العتيق لقليل من الراحة استعداداً ليوم آخر من "التعب المريح ذهنياً".


على مساحات شاسعة من بلادنا شمالاً وجنوباً تنتشر السنابل المحملة بلونها الذهبي الدافئ وكأنها لآلئ ذهبية بعد أن كانت بساطاً أخضر يغطي الأراضي التي ستصبح بعد فترةٍ قليلة جرداء بانتظار موسم عمل وزراعة ومحاولة لبسط الغطاء الأخضر ليتحول إلى اللون الذهبي مرة اخرى بعد الشتاء القادم. 
ومن القصص التي حملت معنى جميلاً للقمح وخيرهِ ما جاء في قصة سيدنا يوسف عليه السلام عندما رأى الملك في منامهِ حلماً بأن هناك "سبع سنابل خضر وسبعٌ أخرى يابسات" ففسرها سيدنا يوسف بأن "السنابل الخضراء تعني سني الخصب والعطاء والغلال بينما السبع اليابسات هن سنوات المحل والجفاف الذي سيحل بالبلاد بعدها".  


موسم الحصاد هو صورة وأحد طقوس الفلاحين الذين لم يتوانوا في حمل السلاح يوماً ما للدفاع عن بلادهم وأرضهم وحصادهم بنفس اليد التي حملت المنجل دون كلل وملل، مما عكس على قوتهم الجسدية وصفاء ذهنهم لغاية الآن لأنهم لم يكن لديهم همٌ سوى بذر القمح وانتظارهِ ليصار الى حصادهِ وجمعهِ لكي تعتاش منهُ أجيال متعاقبة، فسلمت تلك الأيادي السمراء الخشنة لكنها أكثر نعومة من أيامنا والتي باتت تعرفها السنابل الباحثة عنها فهذه الأيادي هي أكثر حناناً ورقةً عليها من الآلات الحادة وعجلات الحصادة الآلية، وتعرفها المناجل وحتى الشمس الشاهدة على حبات العرق التي كانت تروي الأرض قبل حبات المطر.

 

 

53 زائر، ولايوجد أعضاء داخل الموقع

planete